الثلاثاء, 15 ديسمبر 2009 23:53
سوبارو
كلما جاءت سيرة مجمع المباقر ومنشأة الدواجن، يأتيك الجواب سريعاً من أبناء محافظة الحسكة (هذه المنشآت ليست لنا، أو هي لنا بالاسم فقط) ومعظم الأحيان يترافق هذا الجواب أو يتبع بشيء من التأفف والتذمر الممزوج بشيء من السخرية.
لماذا يحصل ذلك؟
يفعل أبناء الحسكة ذلك لأنهم لم يستفيدوا من انتاج هذه المنشآت الاقتصادية على الإطلاق.
فإنتاج مجمع المباقر في بلدة تل تمر، يباع إلى المستهلكين في المحافظات الأخرى، ولم يذق طعم الحليب المنتج من هذا المجمع (مثلاً) أي من المستهلكين في محافظة الحسكة، منذ أن بدأ المجمع انتاجه قبل ربع قرن من الآن.
وكلما طرح موضوع عدم قيام منشأة الدواجن ببيع الفروج الذي تنتجه في أسواق المحافظة، يتذرع القائمون على هذه المنشأة بعدم وجود مركز للبيع تابع لها في سوق الهال في مدينة الحسكة.
وقيل لنا في إحدى المرات، إن المنشأة تنتظر انجاز سوق الهال المركزي الجديد في منطقة المشيرفة لتشتري محلاً فيه تحوله إلى مركز لبيع منتجات المنشأة من الفروج والبيض سواء بالجملة أو المفرق وهاهو سوق الهال المركزي الجديد صار حقيقة واقعة على الأرض منذ أكثر من 10 سنوات دون أن نرى أي مركز بيع تابعاً للمنشأة العامة للدواجن في هذا السوق.
وبقيت حتى هذه اللحظة منتجات هذه المنشأة بعيدة عن أسواق المحافظة وعن متناول ابنائها، الأمر الذي يدفعهم للتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وما الذي يمنع أن يتم بيع منتجات مجمع المباقر ومنشأة الدواجن- كلاً أو جزءاً- داخل المحافظة لا خارجها؟ ولماذا يذهب لحم البقر والحليب والفروج المنتج في منشآت داخل محافظة الحسكة إلى المحافظات الأخرى، ولا يبقى لأبناء المحافظة مع احترامنا وتقديرنا لهم جميعاً إلا المخلفات والروائح الكريهة التي تزكم الأنوف وتدفع للإقياء؟
لمصلحة من؟!
لكن لماذا يريد أبناء الحسكة أن تباع منتجات منشآتهم الإنتاجية داخل المحافظة؟
هم يريدون ذلك من أجل تطبيق شعار نأكل مما ننتج، هذا أولاً. وثانياً لان منتجات هذه المنشآت تمتاز بالنوعية الجيدة، عكس منتجات البعض من القطاع الخاص، الذين يستخدمون نوعيات رديئة من مستلزمات الإنتاج، أو يقدمون علفاً للأبقار والفروج متدني المواصفات أو مخلوطاً بالهرمونات والمواد التي تؤدي إلى تقديم منتج غير صحي.
زد على ذلك وجود هذه المنشآت في أسواق المحافظة يخلق حالة من التوازن، ويؤدي إلى رفع مستوى المنافسة على تقديم ما هو أفضل بين اللاعبين الأساسيين في تلك الأسواق، كما يدفع القطاع الخاص إلى مراجعة حساباته وتحسين نوعية منتجاته وعرضها بأسعار مناسبة لأنه في حال وجود منتجات القطاع العام في الأسواق، فإن المستهلك يتوجه فوراً إلى شراء تلك المنتجات لقناعته بأنها خالية من الغش ولاسيما أن مؤسسات القطاع العام أخذت مؤخراً تعرض منتجاتها بأسعار منافسة، وأقل من أسعار القطاع الخاص، وتجربة المؤسسة العامة الاستهلاكية والشركة العامة لخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية خير دليل على ذلك. ما يجعل تجار هذه المواد من القطاع الخاص يمنون بخسائر ليست قليلة.
وهنا تدفع هذه النقطة بالذات إلى التساؤل: لمصلحة من غياب مؤسسات ومنشآت القطاع العام الإنتاجي بالحسكة وخاصة منشأة الدواجن ومجمع المباقر عن أسواق المحافظة؟ ألا يصب ذلك في خدمة تجار القطاع الخاص ويقدم لهم خدمة عظيمة على طبق من ذهب؟ ويجعلهم يسرحون ويمرحون في الأسواق ويتلاعبون بالمستهلك على هواهم من حيث الجودة والأسعار؟
هذه الأسئلة وغيرها حول هذا الموضوع حملناها وتوجهنا بها إلى ذوي الشأن فماذا قالوا؟
900طن لحم و2500طن حليب
و قبل ذلك سنتعرف سريعاً على المنشآت الإنتاجية في محافظة الحسكة حالياً.
بدأ خط الفروج في المنشاة العامة للدواجن عام 1989 وخط بيض المائدة عام 1993. ويضم قسم الفروج عشر حظائر، سعة كل منها سبعة آلاف طير. وتبلغ الطاقة الإنتاجية لهذا القسم 650طن لحم بمعدل 400 ألف طير سنوياً. في حين يشمل قسم البياض أربع وحدات، وحدة رعاية منذ عمر يوم وحتى مرحلة الإباضة. وثلاث وحدات إنتاجية منذ الإباضة وحتى التنسيق لمدة عام. وتبلغ كمية الإنتاج المخططة سنوياً 30 مليون بيضة، أي بحدود 2.5مليون بيضة شهرياً.
أما مجمع مباقر تل تمر فبدأ بالإنتاج في بداية ثمانينيات القرن الماضي. وهو فرع يرتبط بالمؤسسة العامة للمباقر في حماه ويقع شمال شرق طريق عام تل تمر ــ رأس العين، ضمن مساحة 6176دونماً.
ويضم المجمع محطتي أبقار حلوب ومحطتي بكاكير وهنكارات تسمين عجول. ويبلغ عدد القطيع الإجمالي من الأبقار الحلوب في المجمع بحدود 1100 بقرة. كما تبلغ الطاقة الإنتاجية من الحليب بحدود 2500طن، ومن اللحم بحدود 150طناً سنوياً. وخلال عام 2008 بلغت كمية الحليب المنتج في المجمع 2764طناً، كما بلغت كمية اللحم المنتج 160،140 طناً. ولغاية الربع الثالث من العام الحالي بلغ إنتاج المجمع من الحليب 2159طناً، ومن اللحم 117 طناً.
وبجمع كميات هذه المنتجات جميعاً، يتضح أن المنشأة العامة للدواجن ومجمع مباقر تل تمر يقدمان سنويا زهاء 900 طن من لحم الفروج والبقر، و2500 طن من الحليب البقري الطازج، ومليونين ونصف المليون من بيض المائدة.
أين يذهب الإنتاج وكيف؟
كيف يتم تصريف هذه الكميات من الإنتاج وأين؟
كمية الحليب المنتجة للبيع في مجمع مباقر تل تمر والبالغة تسعة أطنان يومياً، تنقل بشكل كامل من محافظة الحسكة إلى محافظة حماه لتباع هناك. كما أخبرنا مدير المجمع المهندس عباس الجلاد.
وبعملية حسابية بسيطة نجد أن المجمع أنتج خلال السنوات الخمس الأخيرة منذ عام 2004 وحتى عام 2008 كمية 11 ألف طن من الحليب، لم يذق طعمها أي من أبناء المحافظة، لأنها لم تنزل إلى أسواق الحسكة، وإنما ذهبت إلى المحافظات الأخرى. فإذا كان أبناء المحافظة من مستهلكي الحليب لم يحصلوا على ليتر واحد من الحليب المنتج من مجمع مباقر تل تمر الموجود في محافظتهم، والذي أنشئ أصلاً لهم ولخدمتهم على مدى السنوات الخمس الأخيرة، فما بالك بالنسبة لكمية الحليب المنتجة منذ تأسيس المجمع، والتي تتراوح بين أربعين وخمسين ألف طن.
ويقول مدير المنشأة العامة للدواجن المهندس دحام الشرابي: يتم تصريف منتجات المنشأة عن طريق عقود مبرمة مع عدد من المؤسسات الحكومية في المحافظة. ومباشرة للمواطن عن طريق منافذ البيع التابعة لفرع الشركة العامة لخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية من خلال تعاون شهري، بالإضافة إلى الآليات المتنقلة ضمن الأحياء الشعبية والأسواق المحلية التي تبيع منتجات المنشأة للمستهلك مباشرة في مدن الحسكة وتل تمر ورأس العين والقامشلي.
ويؤكد المهندس الشرابي أنه خلال السنوات الخمس الماضية تم تصريف 145مليون بيضة نصفها في الأسواق المحلية والباقي لمؤسسات القطاع العام والتصدير. كما تم تصريف 2750طناً من لحم الفروج لمؤسسات القطاع العام، بالإضافة إلى الكميات التي تباع للأفراد من خلال صالة المنشأة ومنافذ البيع التابعة لفرع الشركة العامة لخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية.
وبعد أيام حضر المهندس دحام الشرابي مدير المنشأة العامة للدواجن إلى مكتب صحيفة تشرين مرة ثانية، وأخبرنا أنه عـُقـِد في وقت سابق اجتماع برئاسة المحافظ وحضور كل من مدير التجارة الداخلية ومدير فرع الشركة العامة للخزن والتسويق، وتم الاتفاق في ذلك الاجتماع على تلبية طلبات فرع الخزن والتسويق من مادة بيض المائدة ولحم الفروج. علماً بأن التعاون بين المنشأة والفرع مستمر منذ زمن، وتنفيذاً لذلك تمت تلبية طلبات فرع الخزن والتسويق، إلى جانب البيع من خلال صالة البيع في المنشأة.
جهات إنتاجية فقط؟!
و ما يلفت الانتباه في كلام مدير المنشأة العامة للدواجن، أنه لم يذكر الكمية التي تم بيعها للمواطنين من خلال صالة البيع الموجودة في المنشأة. ذلك أننا نستطيع أن نجزم أن الكمية المباعة بهذه الطريقة هي كمية قليلة جداً وتكاد لا تذكر، لعدة أسباب أهمها أنه لا أحد يعرف أن المنشأة تمتلك صالة للبيع المباشر للمواطنين، فإذا كنا نحن في الإعلام لا علم لنا بذلك فكيف الحال بالنسبة للمواطن العادي البسيط.
وحتى إذا علم المواطنون بوجود منفذ بيع أو صالة أو إمكانية لشراء الفروج من المنشأة مباشرة، فهم لن يتمكنوا من ذلك، بسبب بعد مقر المنشأة عن مدينة الحسكة، أي أن زبائن المنشأة للشراء بهذه الطريقة هم إما عابرو السبيل على طريق الحسكة تل تمر، وإما بعض سكان القرى القريبة من المنشأة. ونقول بعضاً لأن سكان القرى والأرياف اعتادوا على تربية الفروج في منازلهم، كما أن من لديه واسطة نقل أو سيارة من سكان مدينة الحسكة، ليس لديه الاستعداد لصرف كمية ما من البنزين الغالي الثمن على شراء فروجة أو اثنتين.
إذا ما هو الحل الذي يلبي طموحات الناس، بحيث يصبح الفروج المـُنتج من المنشأة العامة للدواجن بمتناول أيديهم من جهة، ويحقق ريعية اقتصادية للمنشأة ويجسد الأهداف التي أنشئت من أجلها على أرض الواقع من جهة ثانية؟ الحل هو بفتح منفذ بيع للمنشأة في الأسواق ولاسيما في سوق الهال في الحسكة وبقية المدن الرئيسة في المحافظة.
حول هذه النقطة يشير مدير المنشأة إلى عدم توافر الإمكانية ويقدم مبررات لذلك، منها أن المنشأة جهة إنتاجية وليست جهة تسويقية، وأن إحداث أي صالة بيع أو منفذ جديد لا بد أن يكون مجدياً اقتصادياً.
ونتساءل: لماذا تكون منافذ البيع التابعة للقطاع الخاص رابحة ومجدية اقتصادياً، ولا يكون منفذ البيع التابع لمنشأة الدواجن كذلك؟.
خارج الاختصاص
وما دامت المنشأة جهة إنتاجية فقط، كما يقول مديرها، فمن هي الجهة المعنية بتسويق منتجات المنشأة إذاً؟ وهل هناك ما يـُلزم الجهات الأخرى حتى ولو كانت من مؤسسات القطاع العام بتسويق منتجات المنشأة العامة للدواجن؟.
مدير المنشأة ألقى الكرة إلى ملعب مؤسستين اثنتين في محافظة الحسكة. هما فرع المؤسسة العامة لخزن وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية، وفرع المؤسسة العامة الاستهلاكية، ولاسيما أنه ذكر أن التعاون بين المنشأة وبين فرع الخزن والتسويق قديم، وأن هذا الفرع يتولى بيع فروج وبيض المنشأة.
فماذا تقول هاتان المؤسستان؟
- مدير فرع المؤسسة العامة الاستهلاكية بعثي خلف العلي نفى وجود ( أي تعامل مع منشأة الدواجن، بخصوص استجرار الفروج. وذلك لأن هذه العملية خارج نشاط المؤسسة الاستهلاكية في الوقت الحالي).
- كما نفى مدير فرع الشركة العامة للخزن والتسويق حسن الطويل هو الآخر أن يكون الفرع يستجر أي كمية من فروج منشأة الدواجن، ولم يسبق له أن استجر أي كمية سابقاً، وأوضح أن الفرع (يستجر فقط مادة البيض). ونفس الكلام ينسحب على منتجات مجمع مباقر تل تمر. وأبدى مدير الفرع استعدادهم لاستجرار حليب المباقر وفروج الدواجن (بأسعار متفق عليها).
فإذاً ها هما فرعا المؤسسة العامة الاستهلاكية و الشركة العامة للخزن والتسويق، يعيدان الكرة إلى ملعب مجمع مباقر تل تمر والمنشأة العامة للدواجن بشكل خاص. وينفيان نفياً قاطعاً وواضحاً وصريحاً قيامهما باستجرار أي من منتجات هاتين المنشأتين باستثناء البيض، من قبل فرع الخزن والتسويق.
كالعيس في البيداء
وهذا يعني أن إنتاج هاتين المنشأتين سيبقى بعيداً عن متناول أيدي أبناء محافظة الحسكة، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. ربما لأن هناك من يظن (وبعض الظن إثم ) أن أبناء هذه المحافظة غير معتادين على الحليب والفروج، وأن تناول هاتين المادتين ليس من اختصاصهم ولا يليق بهم، وهاتان المادتان الغذائيتان لم تخلقا لهم. كيف لا ومحافظتهم تسمى أصلاً في الأدبيات الاقتصادية (المحلية على الأقل) البقرة الحلوب، التي تقدم الحليب واللحم للآخرين ولا تحصل إلا على العلف، والقليل منه فقط.
وإلا ماذا نفسر المذكرات الكثيرة والمطالبات العديدة التي رُفِعت إلى الجهات المركزية صاحبة القرار في العاصمة دمشق، لإنشاء معمل للألبان وآخر للأجبان في المحافظة، من أجل تصنيع الحليب المنتج من مجمع المباقر وطرحه في الأسواق المحلية، سواء ضمن المحافظة نفسها أو ضمن المحافظات الشرقية الثلاث، وتصدير الفائض منه إلى دول الجوار، لكن دون جدوى. على الرغم أن جميع الدراسات التي أجريت على هذين المعملين أثبتت بشكل جلي وواضح جدواهما الاقتصادية، وأنهما سيكونان مشروعين رابحين بشكل كبير، بعد أن يستعيدا قيمتهما خلال سنتين أو ثلاث على أبعد تقدير. علاوة عن فرص العمل العديدة التي سيؤمنانها لأبناء المحافظة، الذين سيتمكنون في هذه الحالة من تناول ما تنتج محافظتهم.
وإلى أن تجد الجهات المختصة حلاً لمعضلة عدم استفادة أبناء محافظة الحسكة من منتجات المنشآت الإنتاجية الموجودة في المحافظة، وخاصة مجمع مباقر تل تمر والمنشأة العامة للدواجن، ونحن هنا نقصد الحليب والفروج، وليس شيئاً آخر، فإن ذلك البيت من الشعر الذي يقول:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء على ظهورها محمول
سيبقى هو أفضل وصف لوضع أبناء المحافظة في هذا المجال.
المصدر:صحيفة تشرين السورية